عبد الرحمن بدوي
69
أرسطو عند العرب
لنظام العالم . والذي يجب أن تعلمه في هذا ، أن النفوس إذا فارقت الأبدان واستكملت بالعقل التام بالفعل [ 152 ب ] صار لجواهرها قوة أفضل مما كانت وكأنها جنس قد ولد وله في عالم الولادة أحوال أخرى وقوة أخرى ؛ وهي بمثابة أن تشارك العلل والمبادى في الفيض على هذا العالم بحيث لو جاز أن يوجد في هذا العالم مزيد في الكمال تقبله وفي الاستعداد يكون له ، لكان يجب أن يزداد كل وقت نظام هذا العالم وفضائله ، بل لكان قد حصل منه ما لا نهاية له وهو على الزيادة . إلا أن استعداد المادة ومنتهى احتمالها محدود ، وذلك الحدّ ليس يقصّر عن تدبيره المبادى الأول حتى إذا انضاف إليها ماله قوة أخرى زاد في ذلك . وهذا مثلا كما يتوهّم أن للماء في تسخنه حدا محدودا ، وأن ذلك الحد قد يخرج إلى الفعل بسبب نار ما معينة يصل إليه ويزيد على النار أضعافا مضاعفة ، لم يقبل الماء من التسخين إلا ما في قوته أن يقبل مع صدق قولك إن كل نار منها مبدأ للتسخين وفيه قوة التسخّن . [ 1 ] أي كما أن الأسماع إذا شغلتها الضوضاء والجلبة لم تسمع شيئا ، كذلك النفس مشغولة بما يورد عليه العالم الحسّى ، عن الشعور بعالمها . [ 2 ] أي لكل نفس قوتان : قوة معدّة ليحسّ بها مواصلتها لعالم العقل ، وقوة معدّة ليحسّ بها مواصلتها لعالم الحس . والقوة الأولى هي العقل الهيولاني فالعقل بالملكة . والقوة الثانية ( وهي ) أقربها إلى النفس ، العقل العملي . وهذه الحواس الباطنة والظاهرة . [ 3 ] قال إن نفس السماء غير مبتلاة من بدنها بما تختلف أحواله وأوقاته فيختلف تدبيره ويحتاج إلى جلب نوافع ودفع مضار فيختلف أيضا تدبيره ؛ بل جوهره واحد متشابه
--> ( 1 ) : « فإن قال قائل : فلم لا نحسّ بذلك العالم ( أي العلوي الذي كانت فيه النفس ) كما نحسّ بهذا العالم ؟ قلنا لأن العالم الحسى غالب علينا ، وقد امتلأت أنفسنا من شهواته المذمومة ، وأسماعنا من كثرة ما فيه من الضوضاء واللغط ( في المطبوع اللفظ ) ، فلا نحسّ بذلك العالم العقلي ولا نعلم ما يؤدى إلينا النفس منه . وإنما نقوى على أن نحسّ بالعالم العقلىّ وبما تؤدى إلينا النفس منه متى علونا على هذا العالم ورفضنا شهواته الدنية ولم نشتغل بشيء من أحواله » ( ص 83 س 13 - س 18 ) . ( 2 ) : « إن لكل نفس شيئا يتصل بالجرم سفلا ، ويتصل بالعقل علوا » ( ص 84 س 6 ) . ( 3 ) : « والنفس الكلية تدبّر الجرم الكلى ببعض قوتها بلا تعب ولا نصب ، لأنها لا تدبره بالفسكرة كما تدبر أنفسنا أبداننا ، بل إنما تدبره تدبيرا عقليا كليا بلا ( في المطبوع : لا ) فكر ولا رويّة ( المطبوع : رؤية ) . وإنما صارت تدبره بلا روية ( في المطبوع : رؤية ) لأنه جرم كلى لا اختلاف -